عماد الدين الكاتب الأصبهاني
45
خريدة القصر وجريدة العصر
ولمّا استشهد كنت طفلا ؛ ولمّا صرت للاثبات أهلا ؛ ذهب الزمان عنّى بفوائده ؛ ولم أظفر الّا باليسير من قلائده ؛ ولضنّي بها تركتها بأصفهان في ذخائري ظنّا أنّ مدّة السّفر تقصر ولا تطول ؛ وأنّه يتعجّل إليها العود والقفول ؛ ولمّا حرّرت هذا الكتاب لم تصل اليد إليها ؛ فكثر التأسّف عليها ولقد كفاه من دلائل الفضل ما نعرفه من شعر مدّاحه ؛ وما ذكروه من علمه وحلمه ومجده وجدّه وجوده وسماحه ؛ وإن أنسأ اللّه تبارك وتعالى في الأجل ؛ ألحقت « 1 » بالكتاب من رسائله ومنظوماته ما ينفح عبيرا وينضح منيرا ويهبّ روحا ؛ ويهب روحا ؛ ويردّ صدر متأمّله مشروحا ؛ وما ذكر لي أنني أخضرت بين يديه مع أطفال من بني أعمامي في سنّي وأنا قريب عهد بالفطام ؛ والتفصّح بالكلام ؛ فاستبد أني دونهم ؛ وقال : لعلّ اللّه تعالى يصدق منّي الفراسة ؛ ويحفظ منّي للبيت السّيادة والرّئاسة وقبّل رأسي ؛ وأقبل على إيناسي ؛ ثم عصفت بملكنا نكباء النكبة وأحدّت لنا يد الكربة غرب الغربة ؛ واعتقل الوالد ؛ وأخذ منه الطّارف من ماله والتّالد ؛ وآوى بنا إلى ظلّ أمير المؤمنين ببغداد ؛ واستعاد الملاذ في ذلك الملاذ ؛ وشغلني بالتّفقه ؛ وحملني على رفض التّرفّه وذلك في سنة أربع وثلاثين . فوجدنا البركة وأحمدنا الحركة ؛ ورأينا في الأعداء الهلكة ؛ وعرفنا أنّ للّه تعالى لا للملوك المملكة . ودخلت أصفهان في سنة ثلاث وأربعين في زيّ العلماء ؛ وحضرت المحافل في مناظرة الفضلاء ؛ ومفاضلة الكبراء ؛ ولقيت بها مشايخ أترعت حوض البحر من الفهم من بحرهم ؛ واستسقيت روض الفضل من قطرهم . وخرجت في صحبة الإمام السّعيد جمال الدين محمود بن عبد اللّطيف أخي صدر الدين محمد الخجندي « 2 » إلى الحجّ في سنة ثمان وأربعين وقضيت الفريضة ؛ وكسبت الفضيلة ؛ وعدت معه إلى أصفهان ؛ وخرجت منها في السنة الأخرى مع والدي إلى العراق ؛ ودعاني إليها الشوق إلى أقراني الطّيبي الأعراق . وأحضرني الوزير ابن هبيرة « 3 » في سنة اثنتين وخمسين ( وخمس مائة ) عنده وسألني أن أتولّى شغله ؛
--> ( 1 ) . في الأصل ، ن : وألحقت . ( 2 ) . سيذكرهما في موضعهما ؛ وقد خصّص لكلّ واحد ترجمة منفصلة . ( 3 ) . يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة الشيباني ، عون الدين الوزير ، كان من كبار الوزراء في الدولة العباسية ؛ له مؤلفات عديدة في النحو واللغة والتفسير ؛ توفي سنة 560 ه ؛ وقد ترجم له العماد في الخريدة - القسم العراقي - 1 / 96 - 100 ؛ انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 20 / 426 - 432 ؛ وفيه مصادره .